الليوان والقاعات والمربعات
في الطابق الأرضي للبيت الشامي تكون هنالك ( غالباً ) قاعتان ..
وقد تكون احداهما أكبر من الاخرى .. وبينهما جزء مغطى من فوق ولكنه مكشوف على الديار وتسمى ( الليوان ) وهذه الكلمة محرفة من كلمة ( الايوان ) .. وأحياناً يوجد الليوان من ضمن القاعتان في البيوت التي تنشأ كالقصور مثل قصر العظم وكثير من بيوت ( الأكابر ) في الشام .. أي يكون ( الليوان ) ضمن ثلاث قاعات كبيرة مغطى ومغلق من جميع الأطراف ومفتوحاً فيما بين القاعات ..
أما القاعة .. فهي قسمان ..
الأول .. يسمى ( العتبة ) وهي على مستوى منخفض عن سوية البيت .. وفيه غالباً ( بحرة ) عدا عن بحرة الديار .. تصوروا هذا المنظر الرائع والنافورة ورطوبة الغرفة في الصيف الحار .. وهي مصنوعة من الرخام الملون وباشكال هندسية فنية جميلة ..
الثاني .. يكون أعلى بنحو 30 الى 40 سم وسمى ( الطرز ) ويكون مفروشاً من أطرافه الثلاثة بمقاعد ومساند وسجاد ..وبعض القاعات الشامية فيها خشب مشغول ومدهون جدراناً وسقفاً .. وكلها تحتوي على قليل أو كثير من التحف وتوضع في خزائن داخل الجدران إما مكشوفة أو مغلقة بابواب غالبيتها من ( البللور ) وتسمى ( الكتبية ) كأنما هي رفوف مكتبة وعليها مصابيح ( الاوبالين ) الفاخرة وزبادي الصيني والصحون مثلها .. وغيرها مما يمكن لباسمة أن تضيفه هنا ..
والبيت الشامي الأكبر حجماً نجد فيه ( مربعات ) والمربع هو الاسم الذي يطلق عادة على الغرفة في الطابق الأرضي المطلة على الديار ..وهي غرف للاستقبال واجتماع افراد العائلة والأقرباء والمناسبات وغرفة للمطبخ والمونة ( إما هنا أو في القبو ) ..
وهنالك في البيوت الكبيرة جدا والتي تشبه القصور كانت توجد فيها أقسام للسلملك ( الرجال ) والحرملك ( الاناث ) .. أما في البيوت المتوسطة والصغيرة فهذا لم يكن وارداً فيها أبدا ..
ومن باحة الديار نجد درجاً ( من الحجر أو الخشب ) .. وهذا الدرج يكون على الغالب ملاصق لجدران المنزل من الداخل حافته الاولى جدار والثانية ( درابزين ) من الحديد المشغول أو الخشب .. وأحياناً يكون مخترقاً الغرف أي لا ( درابزين له ) سوى جدران الغرف ..
نصعد على هذا الدرج الى الغرف العليا .. وكانت الدار الشامية موجهة كما سبق وكتبت نحو القبلة و شرحنا أهمية ذلك .. وهذه الغرف هي غرف النوم وغرفة ( القعدة الشتوية ) ..
ومن بين الغرف نجد ( المشرقة ) وهي فسحة سماوية علوية مكشوفة من ناحية السقف .. وتحيط بها جدران غرف النوم .. وغالباً ما تكون فيها ( دالية العنب ) وفيها يكون نشر الغسيل .. ومنها تكون منادمة الجارات وتدبير الخطط ..
واذا كان للبيت الشامي قسم ثالث .. فهو الغرفة العالية التي تسمى ( فرنكة ) اذا كان سقفها مبنياً من القرميد الأحمر .. أو تسمى ( طيارة ) والتسمية واضحة السبب .. فهذه الغرفة هي غرفة التأملات والهدوء والسكينة .. وتستعمل للدراسة والبحث .. وأحياناً تكون غرفة لضيوف العائلة .. وأحياناً .. غرفة ( الحرد ) لأحد الزوجين .. أو غرفة التعبد والمناجاة الصافية الصادقة بين العبد وربه .. يعني غرفة استراتيجية بالمفهوم الحديث ..
وبذلك يكون البيت الشامي مشتى ومصيف .. تدفئه الشمس وتعزله جدران الخشب واللبن من عوامل الحر والبرد .. ويكون بأروع حالاته كمصيف عندما ( نشطف ) الديار بالماء الرقراق الطيب النظيف .. والبحرة هي دائما المنبع لذلك الماء والمصب لكل الفواكه والورود والأزهار .. وهي بهذا .. تكون ببرودة الراوند .. وغالباً ما كان يستعمل القسم الأرضي في الصيف ولا يستعمل في الشتاء ..
هذه هي صورة البيت الشامي حاولت نقلها بغض النظر عن العادات المتبعة فيه وتقاليد الحي والجيران ومعاملة بعضهم لبعض .. والتي تزيده جمالا على جمال ..
هذا البيت الذي يتألف أحياناً وليس غالباً من اكثر من 16 غرفة وكل منها تبلغ حجم بيت صغير من بيوت هذه الأيام .. هذه الغرف تكون موزعة في أطراف البيت بين شرقية وغربية .. وكان يعلو بعض هذه الغرف غرفة علوية مرتفعة كما أسلفنا وهي ( الطيارة ) والتي غالباً ما يؤثرها صاحب البيت لطيب هوائها والمناظر الممتدة التي تشرف عليها ..
صجن الدار تقدر مساحته بأكثر من ألف متر مربع وتنتشر في أطرافه جميع أنواع الشجر المثمرة التي ذكرتها في موضوع زريعة أرض الديار وأشجارها وازيد عليها هنا أشجار الدراق والاجاص والمشمش والكرز ..
لم تكن العائلة الشامية بحاجة الى الاصطياف .. لأن صحن الدار ( أي دار ) يحفل بالأشجار والأزهار وتغني فيه الأطيار وتتدفق المياه الصافية الرقراقة .. فتحيل كل بيت الى روضة من الرياض .. فالبيت الشامي يصلح للمصيف والاشتاء معاً .. لا حر فيه يزعج ولا برد يؤذي ويمرض .. قاعاته في الطابق الأرضي بين الماء والخضرا تطرد الحر ولا تدع أثراً له .. وغرفه في الطابق الأول ( العلالي ) لا تسمح للبرد بالتسلل ولا تفسح مجالاً لأذاه ..
.. البيت الشامي .. مملكة مستقلة .. لاجار يزعجك وتزعجه بحركتك فيه .. والأولاد يمارسون نشاطهم بكل حرية وأمان .. وقاعاته مناسبة لاقامة كل أنواع المناسبات دون الاضطرار الى اللجوء للفنادق والصالات وتكبد الالوف من المصاريف .. وكما ذكر ربيع في رد له من أن البيت كان يضم كل أفراد العائلة ولو بعد الزواج .. فقد كان يخصص غرفة لكل من يتزوج ( ذكرا أو انثى ) فيبقون في رعاية ( كبير العيلة ) وتصبح الكنة ابنة جديدة والرجل ( صهر بيت ) يعني ابن جديد ..
المربع في الطابق الأرضي في البيت العربي غالبا ما يقوم بمهمات غرفة الجلوس .
فيه توضع مدفأة من الحطب تتوسط الغرفة .. و تلتف حولها التكايات و الفرش إن كان طراز الأثاث عربيا
توضع فيه الحصر على العدسة و فوقها البسط و من ثم السجاد أو الفرش و التكايات للجلوس .
أو قد تفرش الغرفة بـ صوفايات قماشها إما من الكريتون أو تغطى بالسجاد الرقيق و نجد بعض الأسر تضع عليها جلود الصوف التي كثيرا ما نراها مفروشة على الأرض أيضا .
في الجدران نوع من الخزائن الجدارية يسمى : اليوك .. و فيه توضع الوسائد و الفرشات و اللحافات . و له باب خشبي غالبا ما يكون مزينا برسوم ملونة لأزهار أو أشكال هندسية تتناسب مع المفهوم الإسلامي الشائع الذي يحرم تصوير المخلوقات الحية.
المربع يحتوي على نافذة أو أكثر تطل على أرض الديار . بعض هذه النوافذ لها مصطبة عريضة أمامها تقوم مقام الطاولات ، عليها يوضع إبريق الماء و الكؤوس .. و صحون الفاكهة .. هذه المصطبة كانت مسرحي في طفولتي .. و عليها كنت أقدم عروضي الغنائية مستعينة بالستارة لأظهر و أختفي متى شئت عن جمهور في مخيلتي .
يرتفع المربع عن أرض ديار بعتبة لا يزيد ارتفاعها عن عشرين سنتمتر تقريبا " عمقدر تقدير يعني ما حدا يعتقد للحظة أنني أكتب معلومة موثقة " .. و إلى جانب هذه العتبة يضع سكان البيت أحذيتهم " أنتوا أكبر قدر " حين يدخلون المربع .. ليس من عادة الأسر الدمشقية أن تدوس على البسط و السجاجيد بالأحذية حرصا على طهارة المكان و نظافته .
الليوان الذي تحدث عنه ابن الشام يحفل غالبا بالنباتات الموضوعة في أصص ، و هي غالبا نباتات تحتاج إلى الظل بعيدا عن أشعة الشمس الحارقة . فنرى أصص النباتات الفخارية أو المصنوعة من التنك في المراحل اللاحقة تصطف على الجدران الثلاثة لليوان .. أما الكتبية فكثيرا ما تحتوي هي الأخرى على نبتات صغيرة في أصص صغيرة جدا .. حتى نكاد لا نرى الجدران .
بحرة أرض الديار بنافورتها , و مائها الذي غالبا ما يخرج من فم أسد نحاسي أصفر ، هي محور حياة البيت في الصيف .. حولها يتم شرب القهوة صباحا .. و شرب الأرجيلة في السهرة . إلى جانبها تجلس الجدة و هي تفصص أسنان الثوم و تطبق أوراق العنب من الدالية التي في المشرقة .. على طرفها تجلس الصبايا واضعات أقدامهن البيضاء البضة في مائها البارد ثم يتناثرن المياه الباردة في حرارة الصيف و قيظه .. و فيها ينزل الأطفال الصغار نهارا و يلعبون مالئين البيت ضجيجا و بللا ..
على حافتها تضع الأسرة صحون الفاكهة و صينية الشاي بعد العشاء ..
من مائها تملأ سيدة المنزل دلاء الماء حين تشطف أرض الديار أو تسقي نباتاتها .. و على صوت نافورتها الرتيب المطمئن ، المتناغم مع صوت كركرة الأرجيلة ، يغفو الأطفال في أحضان أمهاتهم ليلا قبل أن يحملهم الأب إلى فراشهم تعبين حالمين بنهار جديد و ألعاب جديدة.
الناس في دمشق يعتنون بالقطط ويربونها في بيوتهم إذ لها دوراً كبيراً في حماية المنزل ومؤونته من الحشرات وسائر الكائنات الصغيرة المزعجة والمقرفة ..
ولذلك فالقطط تنعم وتتمردح في البيت الشامي حيث تتوفر أسباب التسلية لهما ويتمكنان من القفز والنط وتسلق الأشجار والعتبات ..
أما الكلاب فلا يربيها أهل الشام في بيوتهم لأسباب دينية معروفة والتي تتعلق بالنظافة والطهارة بالدرجة الاولى .. الا إذا كانت في مزرعة وخارج الدار ..
ويربي بعض الدمشقيين وليس الغالبية .. الحمام .. وهي تتعلق ( بـ كشاشو الحمام ) بالدرجة الاولى .. ولا مانع من ذكر عملهم هنا فهو يعطي صورة عن طبيعة تلك الممارسات .. فـ كشاشو الحمام يقومون بتربية الطيور وتنقية أجناسها ولها أسماء معروفة تدل على الأصالة عندهم وكذلك القيمة المادية مثل ( الأزرق والبربريسي والأبيض والمرقع والحلبي والبغدادي والقلاب والأبلق بحلسة والأبلق بخضرة ) .. وهم يعتنون بها ويدربونها ولها بيت يسمى ( حضير ) ..
وكشاش الحمام عنده على سطحه ما يسمى ( السقلب ) وهو شبه فخ يقلب على الطير الغريب الذي تأتي به المجموعة .. ومن أدواته .. عصا تسمى ( الكشاشة ) وامكانية الصفير الحاد المزعج دائما ..
و من المعروف أن كشاش الحما لا تقبل شهادته في المحكمة قديماً .. وهذا يعود الى أنه يعتمد الكذب واللف والدوران كلما أسر طيرا ليكون ثمن ( فكاكه ) عالياً ..
ولكن البيت الشامي كان يحتوي على العصافير المتنوعة بكثرة .. وتوضع في أقفاص متفاوتة الحجم .. والعصافير إما أن تكون مظهرها جميلا وملونا وإما ذات أصوات جميلة كالشحرور والكنار ويعطونها من الأهمية الكثير لطربهم بأصواتها .. أو كما قلنا لمظهرها وأهم تلك الطيور ببغاوات تدعى ( العاشق والمعشوق ) ..
والغريب في الحيوانات المنزلية هي السلاحف وتوجد لدى غالبية البيوت .. وما أكثر ما شاهدتها في كل البيوت الشامية وحتى في الطابقية منها .. وهي ( تحوص ) ببطئ شديد بين شقف الزريعة ..
ويحدث أن يربى - خاروف - أو - جدي - لمدة قصيرة .. والصبيان الصغار يهوون ذلك ولكن عندما يتم ذبحه تحدث ( مناحة ) في البيت .. واسألو ربيع كم من الأطفال المعذبين الأبرياء ساهم في تعذيبهم بتلك الطريقة
وقد حدث لي ذلك في الصغر .. فقد غافلني الأهل فذبحو ( خاروفي ) في عيد الأضحى وبكيت وأضربت عن الطعام وبقيت فترة لا آكل اللحم ولكن والحمد لله لم تتأصل تلك العقدة عندي .. ولذلك فإذا دعاني الآن أي منكم على لحمة خاروف بلدي ضان . أتناسى أحزاني القديمة وأطلالها المبكية وآكل على اسم الله .. والتجربة أكبر برهان
زريعة ارض ديار واشجارها
مما سبق في موضوع البيـت الشـامي قلنا أن ذلك الدهليز يؤدي الى ( باحة ) غناء .. حيث تكثر ( اصص الزريعة ) وأحواضها وأشجارها بحسب رغبة الزارع .. أي لا تكون كلها مجتمعة مع بعضها الا بالنادر ..
فمن النارنج والكباد والليمون الحامض والليمون الحلو والفراسكين ( الكريفون ) والدرابزين الخرمسي ( أصل اسمه بالتركية - طرابزون هورمه سي - أي تمر طرابزون ) و الطرنج ( بومللي ) والمشمش الهندي ( أكدنيا ) والبرتقال ثم دوالي العنب بأنواعها .. ودوالي العنب في بيوت الشام تطعم عادة بالطعمين ( البلدي والحلواني ) وكلاهما ( يأرش ) تحت الأسنان لأنه صامد غير رخو .. وكثيراً ما نرى أهل الشام يعتنون بالعنقود فيغطونه بشبك نسيجي أو أكياس نافذة للهواء أو ( كلسات مجهولة ) لتفادي هجمات ( الزلائط والعصافير ) .. والعنب البلدي يمتاز بأن قشره رقيق جداً وهناك العنب الزيني وسواه من الأنواع الفاخرة .. وكان أهل الشام يقولون عن عنب الديار بأنه ( يطول الأعمار ) ويستخدمون ورق الليمون والنارنج مغلياً وهو شراب طيب ومفيد .. فهذه هي الأشجار المثمرة أو ما أتذكر منها ..
أما أشجار الورد والزهر فمنها .. شجيرات الياسمين الأبيض ( علامة سالم ) والياسمين الأصفر والأزرق التي تعرش في الدور .. والياسمين العراتلي .. والنبات العطري المعروف بإسم ( الساعة ) والبنفشا التي لها أزرار زهر لا تحصى ولو كانت بدون رائحة .. والمجنونة بالوانها الحمراء والبنفسجية والبرتقالية .. وهناك شجر المانوليا ذات الرائحة العبقة الرائعة وشجرة المسكة اللطيفة العبير ..
وفي الفسحة المسماة ( الديار ) نجد قطع النباتات الزهرية والعطرية ويسميها أهل الشام ( الزريعة ) ونجدها إما في أحوض في الأرض أو اصص فخارية وكثير منها في ( تنكات ) الزيت الفارغة .. وهي على أطراف ( الديار ) أو حول البحرة .. أو معلقة على الجدران .. أو على سلم معدني متعدد الدرجات أو في أحواض على ( الشبابيك ) المطلة على الديار .. يعني جنة للناظرين ..
وأهم تلك النباتات أوراق القصب ( هوا خشن وهوا ناعم ) والشمشير .. والهوا حيفا الذي هو ناعم هفهاف الأوراق كأنها الهواء .. والقرطاسية ( هورتنسيا ) والبوغونيا .. والشب الظريف .. والختمية .. والبنفشاية .. والدادا .. والجميل .. وآه يا أنا ( الله وكيلكم هي نبتة ) والعطرة .. والشكرية والهرجاية .. والبرنجك والمدادة .. والمكحلة والسجادة .. واللحلح ( شجر زهر الليلك ) والزلف والكولونيا ..
وبعض النباتات الزهرية لها أسماء غريبة وذات مغزى .. مثل .. ليلة القدر التي تتفتح في ليلة واحدة فقط في السنة ؟ .. والمحكمة .. وكف العروس .. وراخي شعرو ( هناك من يقول مدندل شعرو وقد حسم الأمر بزيادة صوت لباسمة في المؤتمر الأخير ) .. والحماية والكناين .. وسوالف العروس .. ولسان الحماية ( وهو نبات شوكي طويل والعياذ بالله وتؤكد خلود أن هذا النبات تهتم به الكناين بالدرجة الاولى ) .. كما لم يكن يخلو بيت شامي من قطعة ( غناجة ) وهي نبات اذا لمسته أغلق أوراقه ثم عاد بعد قليل ففتحها وكم كنا نتسلى به كثيرا .. وهنالك أيضاً ( تم السمكة ) وطريقة الامساك بها بحيث تفتح كلما ضغطنا عليها كفم السمكة تماما .. سبحان الله .. والسيكارة ( ويقولون عنها أحياناً جيكارة ) وورق الصالون للصالونات .. وقلب عبد الوهاب ( وهو نبات حديث التواجد ) .. والشمعة .. والمضعف الذي يباع بكثرة في شوراع دمشق وهو أصفر اللون له رائحة حلوة خفيفة .. والطقطيقي ويطلق على النباتات الزهرية القليلة الزهر .. والمطبق وهو كثير الزهر ..
وأهم من كل ما سبق .. الورد الدمشقي المشهور بالبلدي .. والمعروف في العالم كله بإسم ( روزا داماسينا ) .. والورد الجوري .. والنرجس .. والفل الأبيض الرائع .. والقرنفل .. والزنبق البلدي .. والبنفسج الذي يمتاز برائحة تشمها الأرواح وتنتعش بها النفوس .. سبحانك يا ربي ما ألطفك ..
دمشق القديمة ... مقاهي وحكايات
في حين اقتصر رواد المقاهي في دمشق قبل سنوات على فئة قليلة من المتقاعدين ، و العاطلين عن العمل الذين يقتلون وقتهم بثمن فنجان قهوة أو كأس شاي ، مع طاولة الزهر .
و بعد أن كانت نزهات الدمشقيين ، و على مدى عقود من الزمن ، تقتصر على مصايفهم الجميلة ، البعيدة نسبيا ؛ و مطاعمهم العصرية المنتشرة في أنحاء مدينتهم ، نشأت بحياءِ مبتديءٍ سياحة داخلية من نوع آخر ، يجمع بين التاريخ العامر بالأمجاد و بين الحداثة في أحلى تجلياتها .
سياحة الماضي ،القريب منه و البعيد ، سياحة الأحياء الشعبية بمساجدها المتنوعة و الغنية ، و حاراتها المتعرجة الضيقة ، و بيوتها المتعانقة بحب و الغافية كجميلة الحكايات تحت أشجار الدفلى و زهر الرمان .
باتت مقاهي دمشق تحفل اليوم بأعداد كبيرة من الرواد لا يكاد يتسع لها المكان القديم المتهالك، و الكراسي ، و الطاولات الصغيرة التي تتسع بصعوبة لصينية صغيرة فيها فنجاني قهوة مع كأس ماء بارد .
لا أحد يعلم السبب المباشر الذي كان وراء هذه الظاهرة التي انتشرت و تزداد انتشارا يوما بعد يوم ،
لكن المؤكد أن اهتماما بدمشق القديمة بكل مظاهرها تبدى بأعداد متزايدة ممن يبحثون بين جنبات المدينة عن أصالة حملت دائما في طياتها ، إضافة إلى رائحة الكباد و النارنج و الياسمين، و أجواء البيت العربي بفسحاته السماوية الرحبة ؛ خيالات بعيدة لعلاقات حميمة نشأت بين سكان المدينة القدامى بشواربهم الكثة الطويلة ولباسهم العربي التقليدي ، و بين قيم و أصول و عادات تبدو في أعين أهل هذا الزمان تراثا فيه ما فيه من عطر و سحر عصي على مقاومة إغرائه .
تغيرت نوعية رواد المقاهي .
فوجدت المرأة طريقها إلى ا لمقهى بعد استبعاد أزلي ، وجلست لأول مرة في ذات المكان الذي كان يهرب إليه رجلها قديما بحثا عن رفقة أقل تطلبا و أكثر تفهما و أعظم أنسا ، و شاركت علنا في طقوس شرب الأرجيلة و القهوة و أحيانا اللعب بطاولة الزهر التي طالما كانت حكرا على الرجال .
و مع وجود المرأة ، و ربما بسببه ، جاءت شرائح مختلفة اجتماعيا و ثقافيا و من كافة الأعمار لتجلس جنبا إلى جنب مع ما تبقى من رواد قدامى بعضهم مستاء للتغيير الذي أصاب المكان ، و أغلبهم منشرح الصدر للإحتفالية الغير مسبوقة التي فاجأت الجميع بفورتها الحارة .
عاد الحكواتي إلى كرسيه المرتفع في صدور القهاوي بعد نفي طويل الأمد ، ليعيد على الأسماع قصة عنترة ، وسيف بن ذي يزن و السير الشعبية بكل أشعارها و بطولتها اللا معقولة و إنما المحببة، في وقت ظن فيه التلفزيون و معه كل وسائل الإعلان و الترفيه الحديثة أنه قد قضى عليها إلى أبد الآبدين ، وأن هذه الحكايات قد طردت من الحاضر و المستقبل ، و سكنت في المتاحف مع التاريخ بسبب انتهاء صلاحيتها .
و ككل ظاهرة تلقى رواجا، يتسارع العمل على تقليدها . و مع التقليد ، تظهر حالات بعضها يتفوق على الأصل ، و يمتاز عليه .
بعض أصحاب البيوت العربية القديمة ، و بعد أن أغلقوها ردحا من الزمن ، و هجروها إلى بيوت أكثر حداثة و أقل جمالا، فكروا بتحويلها إلى أماكن تلبي حاجة الناس إلى استعادة زمن مضى ، فتحوها ، و رمموها بما يحافظ على طابعها الدمشقي القديم . و جعلوا منها مطاعم و مقاهي تقدم أجواء مشوقة مدهشة في حميميتها ، مع مأكولات دمشقية عريقة ، بعضها صار جزءا من ذاكرة قديمة ، و بعضها الآخر امتداد لها .
و حول بحرات الماء و نوا فيرها الدقيقة تصطف الأرجيلة ، ملكة المقاهي و المطاعم الدمشقية ، و تحفل الطاولات بأصناف طعام و حلويات نسيها كثير من الناس و عادت إلى الظهور بسحر ساحر ، فشكل تناولها بحد ذاته بهجة من نوع خاص .
و زيادة في الحفاوة ،و رغبة في خلق المزيد من المتعة ، زود بعض أصحاب المطاعم مجالس زبائنهم بفرق موسيقية و مطربين يغنون أغنيات التراث و القدود الحلبية ، و فرق " المولوية " و الدراويش ، يدورون على إيقاع الدفوف و تدور معهم تنانيرهم البيضاء شديدة الاتساع في حلقات و دوائر لا تنتهي ، يعقدون أيديهم على صدورهم تارة و يبسطونها إلى الأعلى تارة أخرى ، و يرفعون رؤوسا علتها طرابيش حمر طويلة متميزة إلى أسقف خشبية ملونة و مزخرفة ، تثبت عليها أعينهم في حين لا يعرف أحد السماء التي وصلتها الأفكار التي تحملها صيحاتهم المنغمة بنغمة رتيبة معروفة : مدد مدد … مدد مدد … يا رسول الله مدد ، يا حبيب الله مدد ، الله أكبر .
و تزدحم الأماكن ببشر من كل جنس و لون ، بعضهم من سكان دمشق ، و بعضهم من سياح عرب و أجانب ، جاءوا ليعيشوا في أجواء تذكرهم بألف ليلة و ليلة ترويها شهرزاد كل ليلة لشهريار مزواج ملول .
و يهطل الياسمين ، و تصدح أغنيات صمدت و قاومت مرور السنين ، و يتناغم صوت خرير الماء في النوافير مع كركرة الأراجيل التي تنشر في الهواء رائحة معسلها المكون من رحيق الزهر و عطر الفاكهة، و تفوح القهوة بأريجها المميز .
و يسعى الندل في حركة دائبة ، مسارعين إلى تلبية طلبات لا تنتهي .
و تزدهر سياحة وليدة ، نضجت فجأة و كأنها على موعد لا يمكنها أن تخلفه مع رواج كاسح بات بين الأصابع.