أثار إطلاق فكرة السماح للقطاع الخاص في سوريا باستثمار مياه الشرب المعدنية وتعبئتها لسد حاجة السوق المحلية إلى جانب توسيع معملي تعبئة مياه بقين والدريكيش التي تمتلكها الدولة، أثار الحديث مجددا عن مستقبل مياه الشرب في شبكات المياه العامة داخل المنازل لاسيما في دمشق. فهل ستبقى مياه الشرب بدمشق محافظة على نقائها وتفي بالغرض المطلوب منها أم لا.. خصوصاً بعد الاعتماد على مياه الآبار الارتوازية لدعم مصدر المياه الآتي من نبع الفيجة من جهة ونشاط الشركات الخاصة التي تروج لأجهزة تنقية المياه من جهة أخرى بدعوى أنها غير نقية. عن هذه الأسئلة وغيرها يجيب موفق خلوف مدير عام مؤسسة مياه الشرب بدمشق قي هذا الحوار..
* ترتبط دمشق منذ بداية القرن العشرين بمشروع جر مياه عين الفيجة، ماذا عن هذا المشروع وكيف تم التفكير فيه ومتى وكيف تم تنفيذه؟
تعتبر مدينة دمشق أقدم مدينة في العالم مازالت مأهولة حتى الآن.وهي كذلك من أوائل المدن في العالم التي جهزت بشبكة مياه الشرب ويعود ذلك لنحو أربعة آلاف سنة ويغذي المدينة منذ أقدم العصور نبعان هما نبع الفيجة ونبع بردى وقد عرف الاقدمون أهمية نبع الفيجة وجودة مواصفات مياهه وعذوبتها فاتخذوه مكاناً للعبادة.. وبدأت دمشق بالتنظيم المائي بلغة عالية الأداء منذ عام 1908 حيث شعر سكان هذه المدينة والتي كانت تجمعاتها الكبيرة محصورة على ضفاف بردى أن فصل الشتاء يأتي على المياه في نهر بردى فيعكر صفوه (حيث كان الناس يسقون من النهر مباشرة) ما اضطر السكان في دمشق لأخذ المياه من العيون المنتشرة في دمشق، ما دعاهم للتفكير في حل هذه المشكلة المائية ومن هنا بدأ تفتح الوعي المائي في دمشق وأفرز هذا الوعي جر مياه نبع الفيجة بعد إنشاء بناء يحصر مياه النبع فوقه وجره إلى أربعمئة صنبور سبيل في دمشق القديمة.
وظل الأهالي يستعملون مياه الأنهار للأغراض المنزلية.هكذا حتى عام 1924 حيث تشكلت جمعية ملاكي المياه بدمشق كجمعية تعاونية وانبعثت عنها لجنة مياه عين الفيجة، وتم جمع المبلغ اللازم مباشرة بمشروع جر المياه إلى مدينة دمشق، وتمت المباشرة بالمشروع عام 1924 وأنهي إنجازه عام 1932 وقد ضم هذا المشروع إنشاء حوض الحصر على نبع الفيجة وإنشاء قناة للجر من نبع الفيجة إلى دمشق طولها 8،16كم وإنشاء ثلاثة خزانات وتمديد شبكة مياه من الفونت تغطي معظم أحياء المدينة.
* وما المناطق التي تشرب حاليا من مياه عين الفيجة وهل تم توسيعها خارج الحدود التقليدية للمشروع؟..
تؤمن المؤسسة العامة للمياه بدمشق المياه النقية الصالحة للشرب بالكمية اللازمة لمدينة دمشق وجميع مناطق المخالفات السكنية التابعة لها إضافة إلى القرى الواقعة على امتداد وادي بردى والتي لها حق الانتفاع بمياه الفيجة.
* ماذا عن الواقع الراهن لمياه الشرب وتطبيق برنامج التقنين لهذا الصيف؟
إن ساعات التقنين خلال موسم التحاريق في أشهر يوليو/تموز واغسطس/آب وسبتمبر/أيلول لا تتجاوز الخمس ساعات يبدأ التقنين من الساعة الثانية عشرة ليلاً ولغاية الساعة الخامسة صباحاً. ويأتي التقنين خلال ساعات الليل لتخفيف الضياع في الشبكة ولتقليص الاستجرار من الحوض حفاظاً على منسوبه.
وتبلغ غزارة نبع الفيجة حالياً 4.6م3/ث وهي حاجة المدينة تقريباً ومع تراجع الغزارة في الأيام القادمة ستتم الاستعانة بمياه نبع بردى وفي مرحلة متقدمة الاعتماد بصورة جزئية على الآبار الموجودة في منطقة الربوة ودمشق.
* في بعض الدول نوعان من التمديدات للمياه، الأول لمياه الشرب والثاني للاستعمالات الأخرى للغسيل وغيره، لماذا لاتطبقون مثل ذلك؟
إن المصادر المائية التي تعتمد عليها المدينة حالياً هي نبع الفيجة ونبع بردى والآبار المحفورة ضمن الحوض المائي لمدينة دمشق وإن مواصفات مياه هذه المصادر جيدة وصالحة للشرب ومطابقة للمواصفات القياسية لمنظمة الصحة العالمية.لذلك لانرى وجود ضرورة لمد شبكتين منفصلتين، وخصوصاً أنه غير متوفر حالياً مصدر مائي جديد تستخدم مياهه في الاستعمالات المختلفة غير الشرب.
* بعد أن تضاعف عدد سكان دمشق.. هل لا تزال كل أحيائها تعتمد على مياه عين الفيجة.. أم أن بعضها يتغذى من مياه الآبار؟
بشكل عام فإن معظم أنحاء المدينة تتغذى بمياه نبع الفيجة، ولكن في بعض السنوات ذات الهاطل المطري القليل نسبياً حيث تنخفض مناسيب المياه الجوفية في نبع الفيجة وفي الحوض المائي المغذي للمدينة، تضطر المؤسسة إلى الاستعانة بمياه الآبار المحفورة ضمن الحوض، ويتم خلط هذه المياه مع مياه النبع ضمن الخزانات الموزعة في أنحاء المدينة ومن ثم تعقيمها والتأكد من جودتها ثم ضخها ضمن شبكة التوزيع لايصالها إلى المواطنين.
* ماذا عن الاحتياج المستقبلي لسكان المدينة من المياه وهل وجدتم مصادر مياه جديدة؟
تعتبر مدينة دمشق وريفها من أكبر التجمعات السكانية في سوريا ويتم تأمين المياه حالياً لها عن طريق المصادر المتوفرة في نبع الفيجة وبردى والآبار الجوفية لحوض بردى والأعوج ويقدر العجز الحالي بحدود 626مليون متر مكعب سنوياً ويتوقع أن يتضاعف الاحتياج مع استمرار التزايد السكاني عدة مرات ليصل إلى 1006 ملايين متر مكعب سنوياً عام 2040.
ولتغطية احتياجات مدينة دمشق مستقبلاً تقوم المؤسسة بالتفتيش عن مصادر مياه احتياطية، حيث قامت الجهات المختصة بتقويم الموارد المائية في كل من حوض الساحل وبحيرة الأسد، وتم التوجيه بالبدء بإجراء دراسات لجر جزء من فائض حوض الساحل إلى مدينة دمشق، وجر جزء من مياه بحيرة الأسد إلى المدينة.
* برزت مؤخرا ظاهرة ترويج بيع أجهزة تنقية مياه الشرب بحجة عدم نقائها، فما موقفكم من ذلك وكيف يتم فحص المياه التي تشرب منها دمشق؟
تقوم المؤسسة بتزويد المدينة بمياه عذبة ونقية وبمواصفات جيدة مطابقة للمواصفات القياسية لمنظمة الصحة العالمية وصالحة للشرب، ولضمان وصول المياه النظيفة والنقية لسكان المدينة تم تأسيس مخبر متطور يقوم بمراقبة تأمين الجودة الضرورية، مجهز بأحدث التجهيزات ومزود بعناصر خبيرة ومدربة على إجراء أدق التحاليل.
وقامت المؤسسة بتركيب أجهزة التحليل الآلية في النقاط الرئيسية في شبكة التوزيع، ويتم يومياً أخذ عينات من كافة أطراف الشبكة ومن المصادر الرئيسية ويتم إجراء التحاليل الجرثومية والفحوص الفيزيوكيميائية للتأكد من خلو المياه من الجراثيم، وإن كافة نتائج تحاليل عينات المياه المأخوذة من أطراف الشبكة تبين خلو المياه من الجراثيم.. ويتم إجراء التعقيم الاحترازي للمياه بواسطة غاز الكلور في مركز التعقيم في نبع الفيجة. ومن خلال ذلك نبين أن المياه التي تزود بها المدينة هي مياه آمنة ونقية وصالحة للشرب ولا حاجة لاستخدام أي أجهزة تنقية من قبل المواطنين في منازلهم.. وإن ما تقوم به الشركات أو الوكالات، والتي تعمل في الخفاء بدون ترخيص من تشويه لنوعية وجودة المياه ما هو إلا وسيلة لبيع وتصريف منتجاتها وإقناع المواطن بوجوب شراء هذه المنتجات ، وتقوم المؤسسة بالتعاون مع الجهات المختصة والمسؤولة بملاحقة هذه الشركات للحد من إساءتها عبر ما تبثه من إشاعات وأكاذيب حول عدم صلاحية هذه المياه.