نتحدث كثيراً عن السياحة والترويج والتسويق والكوادر، وكل حديث لنا نفصل عن الآخر انفصالاً تاماً للأسف، ونتناسى أو لا نريد أن نعرف، أو نجهل أن السياحة صناعة وصناعة حقيقية وكافية، خاصة إذا ما توافرت الأصناف السياحية الثقافية والتاريخية والطبية والبحرية والترفيهية والدينية..
ومع توافر الأصناف العديدة في بلد ما بإمكانه أن يكتفي بالسياحة مصدراً للدخل والعمل، ولكن توافر هذه السياحة المتعددة لا يكفي دون وجود تسويق لائق، والتسويق لابد أن يكون مبنياً على بنية تحتية عالية المستوى قابلة للشراء من الزبون الذي لا يجد نفسه ملزماً لدفع شيء مقابل شيء لا يستحق، وهذه البنية تبدأ من أساطيل السيارات المميزة والفنادق المتدرجة من النجمة إلى الخمس وما فوق، دون تنازل عن الخدمات اللائقة من النجمة إلى ما فوق، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يبدأ الإعلان والتسويق قبل توفير بنية تحتية وتأهيل الكوادر السياحية، ما يوفر التنافس بين هذه المنشآت لتقديم السعر الأمثل والخدمة الأفضل ونسبة الامتلاء التي تخدم المستثمر والسائح على السواء، وفي المحصلة تخدم البلد وتقدم دخلاً وطنياً مهماً.
الطفرات النوعية
هناك بلدان عربية سياحية بامتياز، وظروفها تماثل ظروف سورية، فلماذا كانت السياحة في تلك البلدان صاحبة صناعة سياحية ولم تكن في سورية؟ مع أننا أردنا الاستفادة من تجربة تونس ومصر، ولكن هل يكون الإعلان عن وضع مشروع سياحي صغير في الخدمة كل عشر سنوات انطلاقة سياحية؟
وبالتالي أردت أن تكون هذه المادة تحفيزية لصناعة سياحية حقيقية عندنا من خلال رأيت.
سنوات قليلة مرت على نشوء موقع شرم الشيخ الذي تحول إلى واحد من أهم المنتجعات السياحية العربية، وصار من المواقع المهمة عالمياً، وشرم الشيخ حفز السياحة في منطقة البحر الأحمر، وفي مصر عامة، وحقق شبكة جوية متكاملة بين مطارات عديدة لم تكن، وصارت حقيقية على أرض الواقع فماذا ننتظر في سورية المملوءة بالآثار، الغنية بكل أنواع السياحة من الاستشفاء إلى الترفيه؟
عقدت مؤتمرات استثمارية، وتقدم المستثمرون بمشروعاتهم، وتتالت المؤتمرات لكننا لم نجد شيئاً ملموساً سواء على صعيد السياحة المحلية أو الخارجية، فهل نفرح بالمؤتمرات واللقاءات في الوقت الذي تنشأ مدن كاملة خلال عامين؟!
شبكة متكاملة
في حديث جانبي مع مديرين في الجزيرة السياحية المصرية، وهي شركة خاصة أشارا إلى وجود شبكة سياحية متكاملة، فالسياح يملؤون فنادق القاهرة الفخمة على النيل والتي تجاوزت 30 فندقاً من النجوم الخمس، وأضعاف العدد من نجوم أخرى ومميزة، فتتم الاستعانة بفنادق الأطراف.
بحرص لا مثيل له يتم العمل في البلدان السياحية التي اعتمدت السياحة صناعة وبتعاون بين الجهات الحكومية والتعليمية، والقطاع الخاص، والمستثمر العربي، لذلك تقدمت السياحة.. وسورية من أهم بلدان الشرق الأوسط في توريد السياح والوفود السياحية فلنا أن نتخيل، ونحترم هذا التعاضد لبناء سياحة وطنية.
بورت غالب المعجزة
منطقة صحراوية تطل على البحر الأحمر، لا سكان فيها، لا مدن فيها، لا حياة فيها، توازي منطقة أسوان والأقصر في الصحراء الغنيتين بالآثار، خلال أربع سنوات يضخ فيها المستثمر العربي ما سيصل إلى 200 مليار دولار، مجمع من الفنادق ذات النجوم الخمس والأربع، وجميعها تتمتع بمستوى عال من الخدمة ولا يفرّق بينها سوى اسم الشركة التي تديرها والحجوم، أما الخدمات الفندقية والسياحية التي يتم بيعها للسائح فهي متقاربة جداً إن لم تكن متطابقة، وهنا بإمكاننا أن نفهم معنى التصنيف السياحي بالنجوم، لا ما نجده من تدنٍ للخدمات التي يشتريها السائح بين نجمة وأخرى.
مدن كاملة ببنية تحتية عالية المستوى، ونموذج معماري واحد، وعلى امتداد الرؤية تجد أمامك المجمعات الفندقية، والشقق السكنية التمليك ذات طابع واحد، فلا تميز من حيث الارتفاع والأناقة واللون، ليس هذا فحسب بل إن ما بهرنا لا يمثل سوى 20% من مشروع (بورت غالب) المقام في مرسى علم التي لم تكن قبل سنوات على الخارطة السياحية، ولكننا وبعد سنوات قليلة سنجد اسم بورت غالب إلى جانب شرم الشيخ والغردقة من المناطق الأكثر جذباً للسياح، وأظن أنه لولا الأزمة المالية العالمية لقفز بورت غالب إلى الواجهة السياحية العربية والعالمية دون أن يتنبه أحد.
منطقة بعيدة من الصعب التفكير بمكانها وأهميتها، لكن المستثمر جعلها من الأهمية بمكان عندما بدأ بتغيير ملامحها من مطار دولي مميز أقامه لتخديمها، فلا تكف الطائرات عن الهبوط والإقلاع، خاصة تلك الرحلات الداخلية بطائرات صغيرة كتلك التي أقلتنا من القاهرة إلى مرسى علم التي لم نسمع بها وجهدنا حتى حفظنا اسمها.
وماذا عن هذه المدينة الجديدة؟ إنها- كما أشار القائمون العرب والأجانب- ستشكل مدينة جديدة ومدناً، فالعمالة التي ستأتي بحاجة إلى سكن ومدارس وجامعات وبنية تحتية كاملة، وكلها موجودة في المشروع الذي قدم فرص العمل الجيدة، وبعث الحياة في مكان أبعد ما يكون عن الحياة، واستثمر موقعاً مميزاً على شاطئ البحر الأحمر.
ابتداء من المطار الأنيق الذي استقبل القادمين العرب والأجانب في رحلة داخلية دون أي إجراءات روتينية، ومروراً بالمحتفين المرافقين لنا، ووصولاً إلى إدارات المجمعات والفنادق العرب والأجانب الذين يقفون على مدار الساعة للاستقبال وتقديم أنفسهم وبطاقاتهم لكل داخل وجدت السياحة التي عرفها الآخرون، وفهمت فلسفة البيع للخدمات السياحية.
قد يقول أحدهم: لأننا في مجموعة سياحية! هذا صحيح، فالإدارة في كل مكان دخلناه لا تترك إيجابية إلا وتتحدث عنها، وفي أثناء الحديث والجولة يتطرقون للأسعار والعروض والخدمات، لكن العين لم تغفل لحظة عما يدور حولها، فالنظافة متناهية والخدمة متفانية، والأذواق كلها ترضى من طعام ومناظر وغير ذلك دون أي تدخل في خصوصيتك أو ذوقك.
إن ما صنعه الاستثمار في مرسى علم (بورت غالب) أشبه ما يكون بالخرافة وذلك من تحويل الصحراء إلى قطعة من الجنان، ولدى نزولنا في مطار مرسى علم كنا حذرين مما ينتظرنا ومنذ اللحظة الأولى لم يتوقف السؤال: أين نحن؟ ولماذا لا تكون سياحتنا هكذا ونحن نملك مدناً حية بالأصل؟
شعور مؤلم ينغص على الإنسان رحلته السياحية، لكن لابد أن يطرق الذهن، ففي مكان بكر خدمات النجوم الخمس ومخطط لعشرات المنشآت الفندقية ذات النجوم الخمس.. وبحث عن المشتري لهذه الخدمات بكل الوسائل، بعد أن تمّ ضمان الاستثمار وتحوله إلى حقيقة على أرض رملية تسمى الواقع!!
أخيراً
سياحة متطورة تقوم على تنافس مهم بين المؤسسات والشركات، وعلى تعاون مثير بينها لكسب السياحة، وهذا التنافس يبدأ من الوصول ولا ينتهي إلا بالمغادرة، ويشمل جميع المنشآت عالية المستوى التي يتبارى مسؤولوها في عرض خدماتهم وتقديم عروضهم.. أحد المديرين في حديث جانبي قال لي: «لازم ناكل عيش إحنا وغيرنا..» هذا هو الفهم العميق للسياحة، فهي سبب حياة للمجتمع، وليس لحظة آنية.