حين يقول السائح: هذه الزيارة وكفى!
الإمارات وتونس أثبتتا نجاح الفكرة، لبنان يعلّق آماله على نجاحها هذا الصيف، وسوريا ومصر والمغرب تأمل أن تجني الثمار الكاملة في فترة ليست بعيدة.
من واشنطن إلى موسكو، ومن هلسنكي إلى جوهانسبرغ، العالم كله أخذ يستعد للبيات الصيفي. طلاب المدارس والجامعات ومعهم هيئاتهم التدريسية ألقوا جانباً أقلامهم وكتبهم وبدأوا بقضاء عطلة الصيف. شعوب البحر الأبيض المتوسط، وبالذات الإسبان والفرنسيون والطليان، سيقومون بعد أسابيع بإغلاق الكثير من محلاتهم ومكاتبهم. ولا يستغرب المرء وهو يسير في برشلونة أو ليون أو ميلانو كثرة الأماكن المغلقة طيلة هذا الشهر.
حتى اليابانيون، وبأخلاق عملهم الصارمة التي تعتبر إجازة الشهر الكامل هرطقة غير معقولة، بدأ الصيف يفسدهم، فأخذوا، وكاميراتهم في أعناقهم، يظهرون في أماكن لا تخطر ببال، في غابات الإكوادور ومرتفعات الهيمالايا وسافاري الحيوانات في شرق وجنوب أفريقيا.
وبرغم أن المناطق التي اجتاحها التسونامي قبل ستة أشهر نالت الكثير من المعونات لتستعيد بنيتها المدمرة إلا أن صلوات أهل تايلندا وأندونيسيا وماليزيا تتجه للسياحة هذا الصيف لتنقل آلاف الناس من وضع الاعتماد على المعونة إلى الاعتماد على النفس في الفنادق والمطاعم وشركات السياحة التي استعادت تأهيلها وقدرتها على خدمة زوارها.
وكما تشير أرقام المبيعات المرتفعة للطائرات الجديدة في معارض الطيران الأخيرة، فإن صناعة السفر نجحت أخيراً وبعد مرور قرابة الأربع سنوات في التخلص من آثار الحادي عشر من سبتمبر الذي دمّر القطاع وأغلق الكثير من شركات الطيران والسفر وسبّب الخسائر الفادحة لأغلبها. والأكثر من ذلك أن الكثيرين يبدون وكأنهم يريدون أن يثأروا لتقييد حركة السفر لعدة سنوات. ويحدث هذا برغم تزايد وتعقيد إجراءات السفر الأمنية.
لكن نصيبنا كعرب من الكعكة العالمية للسياحة البالغة 760 مليون سائح للعام 2004 منخفضة، إذ لا تتجاوز الـ 34 مليون سائح، وهي تستثني السفر لأغراض دينية، وقد توزعت كالآتي (بالمليون) : مصر 8.1، الإمارات 6.4، تونس 6، المغرب 5.3، سوريا 4، البحرين 3.5 ، الأردن 1.7، لبنان 1.3 .
العالم العربي نصيبه ضئيل لسبب بسيط هو أن الصناعة الأخرى، صناعة السياسة، تقف بالمرصاد لأي تقدم في صناعة السياحة. فلبنان الذي يرزح تحت وطأة كساد اقتصادي مدمر ولسنوات طويلة لا يملك ترف تخويف ضيوفه بعمليات عسكرية في الجنوب كالتي قام بها حزب الله قبل أيام. وبالتأكيد هو لن يستقطب إلا عشاق الأخطار مع استمرار الاغتيالات للشخصيات العامة والتفجيرات هنا وهناك. والحال نفسها تحدث لمصر واليمن، فالسياحة لا تحب العنف ولا تلتقي مع الاضطراب.
والعنف العارم في العراق بما يصاحبه من خطف للصحافيين والعاملين في قطاع الإغاثة وقتلهم والتمثيل بهم، كل هذا يطال بلداننا جميعا، إذ يعطي صورة عنّا للعالم بأننا شعوب متعطشة للدماء تكره من يطأ أراضيها ولا تطيق من لا يدين بديانتها.
والمأساوي في الأمر كله أن صناعة السياحة تمثل الأمل الأكبر في الانطلاق الاقتصادي بل والحضاري الذي تمنته شعوبنا لأكثر من قرن.
المشكلة الأساسية في التباس الفهم لدور السياحة الاقتصادي ابتدأت بالاختصاصيين من رجال الاقتصاد وعلمائه في الستينات والسبعينات، إذ كانوا ينحازون بشكل كامل لنظرية مؤداها أن التنمية المرجوة لن تحدث إلا إذا تماثلت مع ما حدث في الدول المتقدمة أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان، أي عبر التصنيع. وقد تأثرت الحكومات بهذا التفكير وتورّط العديد منها بالتصنيع الثقيل برغم غياب المكملات التكنولوجية الضرورية لمصاحبته.
لكن ما تجاهله خبراؤنا التقليديون أننا كعرب نمتلك وضعاً فريداً في العالم، فقداسة الأرض كمهد للديانات السماوية تجعلها قبلة مستمرة للحجاج والمعتمرين والزوار، والأمر نفسه في المساجد الكبيرة التي بناها قادة تاريخيون أو التي أصبحت جامعات كالأزهر والزيتونة. والأمر لا ينحصر بالقيمة الدينية لهذه الأماكن فقط، فهناك قيمة ثقافية فنية تجعل حتى غير المسلمين يرغبون بمشاهدة التحف والمقتنيات ومشاهدة الآثار المعمارية الفريدة.
والفرادة ليست محصورة بالقداسة، فعلى أرض مصر والعراق وسوريا وفلسطين وشمال أفريقيا واليمن تتزاحم الآثار التاريخية للحضارات القديمة بشكل لا نظير لتركيزه في منطقة أخرى من العالم، من أهرام الفراعنة وقبورهم، إلى آثار الآشوريين، ومن مدن البتراء إلى الصروح الرومانية في لبنان وسوريا وليبيا وتونس. هذه هي الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد العربي وهي لا تقل في قيمتها عن النفط والأنهار لأنها لا مثيل لها في العالم.
لكن الكثير من هذه الممتلكات السياحية يتعرض للضياع والخراب والتشويه، فالعمران الحديث أخذ يزحف ويضيق الخناق على الأهرامات في مصر، ونواعير حماه تنوء بالإهمال وضعف الصيانة، وآثار بعلبك ليست أحسن حالا، وآلاف المواقع والآثار والقلاع تهمل أو تترك لعبث اللصوص، أو لاستخدام احجار المواقع كمواد بناء للقرويين، وإلى وقت قريب كان يمكن اقتناء المومياءات الفرعونية بأسعار زهيدة، ولا ننسى دور الحروب والاضطرابات الأمنية في سرقة الآثار وتهريبها كما حدث على نطاق واسع في العراق قبل عامين.
والكثير من السياح الذين يتغاضون عن المخاطر الأمنية ويقبلون على بلداننا نجدهم يعانون الأمرّين من لحظة وقوفهم في قاعات الدخول في المطارات وحتى وقوفهم في قاعات المغادرة حيث يتعرضون لطالبي الإكراميات والمتسولين سواء كانوا من الفقراء أو ممن يرتدون الملابس الرسمية. وتجربة السائح الشاقة مع بعض الفنادق وسائقي التاكسي والمرشدين السياحيين توصله في نهاية المطاف ليقرر: هذه الزيارة وكفى!
لكل هذه الأسباب فإن السياحة ستستمر بحال العجز الذي هي عليه لسنوات، لكنها في الحقيقة بريئة من عجزها ، فما هو إلا العجز المزمن والفاضح لرجال السياسة.
محمد عبيد غباش
الشرق الاوسط