[b]
أرواد آخر حصون الفينيقيين و ملجأ الهاربين
... والجزيرة الوحيدة على الساحل السوري
محمد عيد الخربوطلي*
تبعد جزيرة أرواد ثلاثة كيلومترات من شاطئ مدينة طرطوس السورية. أطلق عليها الاغريق اسم "أرادوس"، وفي المصادر العربية تعرف بـ "أرواد". ويذكر أن أصل اسمها "آرفاد" أو "آراد", ومعناه بحسب اللغات السامية القديمة "التيه" أو "ملجأ الهاربين" و"موئل اللاجئين". ويذكر الجغرافي اليوناني القديم استرابون (46 ق.م - 91م) أن بناة أرواد هم المهاجرون من صيدون في قديم الزمان.
ورد اسم أرواد مرات عدة في رسائل تل العمارنة، وفي حوليات ملوك آشور، وفي جميع التواريخ الخاصة بالكنعانيين. وهي تشكل مرتفعاً صخرياً أجرد بمحيط نحو 1500 خطوة وأطول نقطة فيها 800 خطوة وتتبعها جزر صغيرة تعرف باسم "أخوات أرواد" وهي جزيرة النمل والحباس وأبي علي.
كانت أرواد في أول أمرها خاضعة لصور الكنعانية ثم استقلت فصارت مملكة كنعانية قوية بسطت سيطرتها على أغلب اجزاء الساحل السوري، ولعبت دوراً مهماً في السياسة الخارجية القديمة بين الحثيين والمصريين. وأشارت النصوص المصرية التي اكتشفت في تل العمارنة الى أن أرواد كانت في القرن الرابع قبل الميلاد مملكة قوية ومزدهرة. ويذكر المؤرخ اليوناني أريان المتوفى في القرن الرابع قبل الميلاد أن موقع سجون كان تابعا لمملكة أرواد، وكذلك كان المعبد الوثني في حصن سليمان. وعندما توسعت مملكة أرواد شمالاً صارت لها سياسة دولية لا تتفق دائماً مع سياسة ممالك الجنوب (صور وصيدون وجبيل). اذ كانت هذه الممالك توالي المصريين غالباً على غزاة الشرق والشمال، وكانت أرواد تراعي مصلحتها الخاصة فتتحد مع ممالك الشمال على المصريين، كما حصل في معركة قادش، في القرن الـ13 ق.م. وعندما طغى الآشوريون واشتدت وطأتهم على الساحل الكنعاني اخضعوا ارواد وقدم ملكها "ياكين لو" للملك آشور بانييال جزية كبيرة من الذهب والأرجوان والسمك والطيور.
وبعد اضمحلال الدولة الآشورية لم تنج أرواد من محاولات فراعنة مصر السيطرة عليها لكنهم فشلوا، لأن أرواد استعادت سياستها الشمالية. لكن تحالف عليها البابليون (406 ق.م) ثم الفرس (395 ق.م). وبعد معركة ايسوس خضعت ارواد للاسكندر المقدوني (333 ق.م) وبعد مماته انتقلت بولائها بين البطالمة والسلوقيين، وفي سنة 46 ق.م أصبح الساحل السوري جزءاً من الولاية الرومانية ودخلت في مقاطعة "سلوسيد". وفي نهاية القرن الرابع اصبحت تابعة لفينيقية الأولى وبقيت ردحاً من الزمن في قبضة البيزنطيين كقاعدة لأسطولهم البحري.
الفتح الإسلامي لأرواد
لم يكن معاوية بالرجل الذي يتهاون في ترك أي معقل للروم يهدد سلامة دولته الفتية، فعقد العزم على فتحها وأعد الاسطول لذلك سنة 82 هـ واستطاع ان يحاصرها وأنزل جنوده فيها. لكن أهل أرواد لم يذعنوا أو يسلموا واعتصموا بقلعة الجزيرة مع أن الأسقف ثورما ريخوس بصرهم بأن عنادهم لن ينفعهم. لكن العواصف اشتدت في شتاء ذلك العام وادت مناعة تحصيناتها الى عدم فتحها فعاد معاوية الى دمشق. لكن في سنة 92 هـ عاد بأسطول كبير وتمكن من فتحها. وفي القرن الـثاني عشر الميلادي احتلها الصليبيون وشيد فيها فرسان الهيكل قلعتين منيعتين وأقاموا أسوارها، ونقشوا على ابنيتها شعار أل لوزينيان الحربي، وهو عبارة عن نخلة ترمز للشرق وأسد يمثل الهجمة الصليبية لتغدو موقعاً حربياً ومركزا تجارياً. وكثرت الحروب بين الصليبيين والمسلمين وسقطت قلاعهم في أيدي الأيوبيين قلعة اثر اخرى, لكن الجزيرة بقيت آخر معقل للصليبيين الى ان سقطت سنة 1302. وكان فتح أرواد على يد القائد سيف الدين (كهرداش الزراق). فقد جاء بأسطول بحري جهزه سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون المملوكي وساعده جيش طرابلس فحررها وهدم سورها وأسر 500 من الفرنجة وحرر الأسرى المسلمين الذين كان يغير عليهم صاحب أرواد الفرنجي يعقوب الطرطوسي، وتولى حكمها المماليك.
أرواد في العهد العثماني
بعد المماليك جاء العثمانيون وضموا أرواد الى دولتهم، ومحوا شعار آل لوزينيان، فلم يتركوا شعار الأسد على حريته بل أمروا أن تنقش في الصخر سلسلة يربطون بها شعار الأسد الى النخلة فيقيدون حريته. وبقي الأثر شعاراً جديداً لجزيرة أرواد حتى أواخر الحرب العالمية الأولى عندما سقطت قنبلة عثمانية على الجزيرة واصابت ذلك الحجر فذهب هذا الشعار. وقبل انهيار الدولة العثمانية احتل الفرنسيون أرواد سنة 1915 م أي قبل دخولهم سوريا بسنوات عدة بعدما حاصرتها البارجة الفرنسية جان دارك فنزح أهل أرواد عن جزيرتهم وبقيت خالية من أهلها حوالي سنة كاملة ولم يعد اليها سكانها إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. ومن الطريف أن الفرنسيين عندما احتلوا أرواد سنة 1915 م سموها دولة أرواد، وأصدروا طابعاً باسم الجمهورية الأروادية التي يحتلونها مع انهم لم يسيطروا الا على أرواد وقتها.
أرواد تحت الاحتلال الفرنسي
بعد احتلال فرنسا للأراضي السورية واللبنانية تحولت أرواد منفى وسجنا للأحرار الوطنيين من البلدين وصارت القلعة معتقلاً. وسجن في هذه القلعة الكثير ومنهم سعد الله الجابري، عبد الحميد كرامي، مصطفى الفرييني، ونجيب الريس صاحب جريدة القبس السورية. وقد أنشد أثناء سجنه قصيدة سُمع صداها في أرجاء قلعة أرواد ومطلعها:
يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما
ليس بعد الظلم إلا فجر مجد يتسامى
ومكان سجنهم معروف في القلعة حيث توجد لوحة كتب عليها بخط فارسي "معتقل الأحرار"
ونالت أرواد حريتها بعد استقلال سوريا وجلاء المستعمر عنها في سنة 1945 م وبدأت عهداً جديداً يملؤه الأمل المنشود.
آثار أرواد
ما زالت آثار أرواد الرائعة شاهدة تذكر من زارها بماضيها العريق ومجدها الزاهر، فسورها الضخم المحيط بها من ثلاث جهات بني ليقيها من مهاجمة العدو ومن طغيان البحر، وذكر الأب مارتين اليسوعي في كتابه "تاريخ لبنان" أن علوه كان عشرة أمتار وأول من بناه الكنعانيون، وما أصابه من تهديم كان من المعارك الكثيرة التي جرت بين أرواد وبين من يريد اخضاعها كما ساعدت العوامل الطبيعية في هدم جزء كبير منه، وكان السور مبنياً على صخور كبيرة بلغ ارتفاع بعضها ثمانية عشر متراً وسماكتها ستة أمتار .
وقلعة أرواد من أهم آثارها، وهي كنعانية الأساس صليبية التصميم ايوبية في البناء الماثل الى اليوم. وقد بنيت في القرن الرابع عشر الميلادي، ومكانها مطل على اطراف الجزيرة من جهاتها الأربع، وفوق برجها الجنوبي ترتفع منارة يرى الواقف فوقها مدينة طرطوس وعمريت وجبال اللاذقية حتى لبنان من جهة الجنوب.
ومن آثار أرواد الكثيرة الكهوف الأثرية التي استخدمها الكنعانيون كخزائن لنفائسهم ومجوهراتهم، ومنها الحمام العربي والقلاع الصغيرة المتفرقة والبرج العربي المبني في العهد الايوبي من الحجارة الرملية المنحوتة ويقع في الجهة الشرقية ويطل على البحر مباشرة، والميناء القديم. وقد اكتشفت هنور فروسيت عام 1936 الجانب الاكبر من هذا الميناء القديم في حالة سليمة تحت سطح البحر ويعود تاريخه الى حوالي 2000 سنة ق.م. عندما كان الساحل الكنعاني في شرق المتوسط منطقة التجارة الرئيسة في العالم وبخاصة مع الموانئ الكبيرة المصرية واليونانية، فميناء أرواد القديم يعتبر الميناء الوحيد الباقي من العصر البرونزي.
وكشفت هنور فروسيت باستعمالها التصوير الجوي وبغوصها تحت الماء أنابيب فخارية تحت أعماق البحر كانت توصل الماء العذب من نهر عمريت على الشاطئ المقابل اليها. وتمكن الغواص الأروادي صلاح بهلوان من انتشال القمع الرصاصي المقلوب الذي كان يستخدم في تجميع المياه العذبة المتفجرة من أعماق البحر، اذ اكتشف ملاحو أرواد في العهد الكنعاني نبعاً من الماء العذب في قعر البحر بين اليابسة والجزيرة، فاستخدموه ونقلوا مياهه بواسطة نصب هذا القمع المقلوب وأنابيب نحاسية تصل الى الجزيرة فتصب في حوض من الرصاص.
وتعد أرواد كلها موقعاً اثرياً واجري اصلاح برجها وقلعتها لكن القلعة صارت متحفاً يضم اجنحة عدة وهي:
1 - جناح الفخاريات: يضم مجموعة من الأواني والجرار الفخارية اكتشف معظمها في أعماق البحر وتعود الى عصور عدة منها ما هو قبل الميلاد.
2 - جناح النقود الأروادية: ويضم نقودا أروادية نحاسية وبرونزية وفضية وذهبية أقدمها يعود الى ما بين سنة 450 و362 ق.م، على بعضها وجه مليكرات وعلى بعضها سفينة كنعانية وغير ذلك.
3 - جناح الصدفيات البحرية النادرة: ويعود أقدمها الى عشرة الاف سنة.
4 - جناح الاسفنج الطبيعي البحري: ويضم بعض آلات الغطس المستعملة ومجموعة نادرة من الاسفنج الأروادي.
5 - جناح الفن الحديث: ويحتوي على لوحات فنية حديثة استلهم الفنانون اعمالهم فيها من حوار أرواد مع البحر.
6 - جناح الصناعات اليدوية: وفيه نماذج منتخبة تمثل تطور صناعة المراكب منذ القدم ومراحل صناعة الشباك لصيد الاسماك وانماط مصغرة خشبية للسفن البحرية بدقة ومهارة.
أرواد في نصوص الرحالة
تكلم كثير من الرحالة والجغرافيين العرب والغرب عن أرواد ووصفوها ومن هؤلاء:
- بطرس البستاني في "دائرة المعارف" اذ يقول: فيها كثير من أبنية الفينيقيين من قلاع وأسوار متينة وقدر عدد سكانها سنة 1877 م بنحو ثلاثة آلاف. ويرد في ذكره مقولة فولني الذي كتب عنها من دون أن يزورها وقال انها خالية مقفرة.
- وجاء في كتاب "تاريخ لبنان" للأب مارتين اليسوعي: لا يقيم فيها إلا كل شجاع صبور أو ذو حاجة ضرورية.
- وكتب عنها كرنيليوس فانديك في آخر القرن التاسع عشر: ان اهلها كانوا مشهورين في المعرفة بسلوك البحر.
- ووصفها رحالة غربي في مطلع القرن العشرين بقوله: أرواد تبدو كآخر بلدة فينيقية كما كانت صيدا وصور وجبيل في غابر العصور تبني المراكب الشراعية وترسل برجالها الى أعالي البحار.
- ولما زارها فؤاد افرام البستاني سنة 1950 م قال عنها: درة البحر تسمو ببنيانها الأبيض على زرقة الأمواج فتشع لمحات تحت الأضواء المتسللة خلال الغمام.
أرواد اليوم
بقيت أرواد درة البحر وستبقى قبلة السائحين اذ انتشرت فيها المقاهي، وما زال اهلها يعملون في الصيد والملاحة وبناء المراكب، ومناخها معتدل لطيف، وحفر اهلها الآبار فحصلوا على الماء العذب، وأوصلت الحكومة لهم شبكة المياه وصارت فيها مدارس وبني لها مرفأ لرسو جميع المراكب.
هذه باختصار، حكاية أرواد الجزيرة الوحيدة على الساحل السوري المأهولة منذ أكثر من أربعة آلاف سنة.
* كاتب وباحث سوري
عضو الجمعية الجغرافية السورية
[center]

