الخان العثماني.. متحف يضم أجمل لوحات الفسيفساء في العالم
بني الخان علي شكل مربع طول كل ضلع من أضلاعه 80 متراً
في الطريق إلي أطلال مدينة أفاميا الأثرية الواقعة إلي الشمال الغربي من مدينة حماة السورية، وقبل الوصول إليها بمسافة قليلة من الأمتار إلي يمين الطريق الترابية تواجه الزائر واجهة حجرية ذات بوابة ضخمة تبدو وكأنها بوابة لقلعة حصينة من قلاع العصور الوسطي المنتشرة بكثرة علي الساحل السوري وغيره.
ذلك هو الخان العثماني الذي يعتبر من أكبر الخانات الأثرية في سوريا، ويمثل استراحة هامة للحجاجالقدامي وهم في طريقهم إلي الديار المقدسة، ومتحفاَ لأجمل لوحات الفسيفساء في العالم.
مخطط الخان أو المتحف مربع طول ضلعه ثمانون متراً، مغلق تماماً باتجاه الخارج، وتنفتح بوابته الوحيدة باتجاه الشمال تحف بهذا الخان من جوانبه الأربعة قاعات وغرف واسعة، تنفتح علي ساحة داخلية كبيرة من خلال بوابة صغيرة ضمن الباب الكبير كان القرويون يسمونها خوخة يمكن للزائر النفاذ إلي الداخل ليجد نفسه تحت عقد حجري رحيب وعلي طول الجدارين بجانبيه مقعدان حجريان، ويزين الجدارين المتقابلين صفّان من لوحات فسيفسائية مقتطفة من أعمال كاملة وجدت في أرضيات بيوت أو قصور أو معابد أفاميا القديمة، وتمثل بعض هذه اللوحات مشاهد حيوانية كالوعل والبط والحجل وغيرها.. مما يدل علي أن الحياة الطبيعية كانت عامرة في أوج ارتقاء أفاميا الحضاري.
قبل الدخول إلي قاعات المتحف نستطلع الساحة الداخلية الواسعة وتبدو أرضيتها مبلطة بالحجر اللبون الذي تنبت بين فواصله الترابية الحشائش لتشكل منظراً يشبه لوحة فسيفسائية غاية في الروعة والجمال، وفي وسط هذه الساحة بئر ماء سطحية ينزل إليها بدرج كانت تأتيها المياه عن طريق قساطل فخارية فيما سلف، وهي مسدودة اليوم، ويمكن النزول إليها بدرج مكشوف، والبئر مغطاة بسقف معقود يمكننا رؤية بعض الماء المتسربة إليه اليوم، وعلي جوانب هذه الساحة تنتشر مجموعة من تيجان الأعمدة الإيوانية والدورية وأسبلة الماء والمنحوتات الحجرية والشواهد ذات التفصيلات المعمارية البديعة مما يشكل بحد ذاته متحفاً مستقلاً في الهواء الطلق.
بُني الخان علي شكل مربع طول كل ضلع من أضلاعه 80 متراً، تتوزع علي جوانبه أروقة وأبهاء كبيرة ذات سقوف معقودة، وأجنحة مشادة بنموذج هندسي متفردة. ويقع الباب الرئيسي للخان في وسط الجناح الشمالي، وفي كل جناح منها نري مصطبتين بين كل قنطرتين. المصطبة الواحدة تكفي لإيواء قرابة عشرين حاجاًَ، وقد زُوَّدت كل مصطبة بموقد من الحجارة علي شكل المدفأة في قصور العصور الوسطي الأوربية، وتقوم فوق الموقد مدخنة، أما الباحة فهي واسعة تضم حولها رواقاً في جدرانها مداخن المدافيء التي تقطع رتابة الجدران الداخلية وطولها البعيد، ويدخل إليه من الباب الشمالي الكبير فقط. وتشير المصادر التاريخية إلي أن الخان بُني في عهد الوزير المعماري سنان باشا عام 931 علي نفقة محمد آغا قزلار أحد وجهاء مدينة حماه آنذاك، ليكون محطة هامة لقوافل الحجاج والتجار العثمانيين في طريقهم من القسطنطينية استبنول حالياً إلي مكة المكرمة.
عرائس الشعر
يضم الخان العثماني مجموعة من أروع مجموعات الفسيفساء في العالم، وتختلف عن الفسيفساء التي تجسد قصص أساطير الميثولوجيا اليونانية والرومانية، فقد اهتمت هذه اللوحات الفسيفسائية بتصوير موضوعات الحياة كالعلوم الطبيعية والعامة والنواعير والبيئة والحيوانات ومشاهد الصيد، إضافة لتجسيد عرائس الشعر والمشاهد الريفية وقوافل الجمال بإتقان هندسي بالغ الروعة ضمن أشكال ومربعات دقيقة أُحسن رصفها وترتيبها واختيرت لها الألوان المناسبة الرشيقة، وأُطرت هذه المربعات بعناصر نباتية محورة غالباً علي نمط السجاجيد والبسط الشرقية.
معظم تلك اللوحات الفسيفسائية المكتشفة خلال فترة زمنية متباعدة محفوظة في الخان العثماني باستثناء لوحة الصيد وهي من اللوحات الثمينة النادرة التي استُخلصت من قاعة الولائم في قصر حاكم أفاميا، وكانت تزين أرض قاعة واسعة مستطيلة، وتغطي بكاملها سطحاً مساحته 130 متراً، وهي الآن محفوظة في المتاحف الملكية للفن والتاريخ في بروكسل بلجيكا ، وقد افترشت هذه اللوحات أرضيات أجنحة الخان بأسلوب فني رائع حافظ إلي حد كبير علي التشكيل الصوري وطبيعة الألوان كما هي.
حول هذا الخان المتحف يقول الباحث الأثري عبد الرزاق زقزوق مدير آثار أفاميا:
بقي هذا الخان الأثري الهام طوال القرون الثلاثة الماضية مكانا مهجورا تلجأ إليه الحيوانات ويسكنه بعض البدو الرحل مع مواشيهم وحيواناتهم مما أدي إلي تشويه الكثير من معالمه وعناصره المعمارية، وكنت أري في هذا المبني الخَربْ جوهرة مطمورة ضمن الأنقاض، ومن هنا جاءت فكرة ترميم هذا الخان والعمل علي إزالة الأوساخ من داخله وحوله من أجل تهيئته ليكون متحفاً رائعاً يضم بين ثناياه روائع الفسيفساء والُلقي المكتشفة في مدينة أفاميا القريبة من الخان، وبدأ العمل في ترميم هذا الخان منذ عام 1975 حتي عام 1982 حيث تم تجهيزه ليكون متحفاً متميزاً يحتوي أروع مجموعة من الفسيفساء في العالم بشهادة كبار علماء وباحثي الفسيفساء.
سقراط والحكماء السبعة
يضم متحف أفاميا عدداً كبيراً من لوحات الفسيفساء الهامة والنادرة التي تم اكتشافها في دور وقصور وكنائس أفاميا خصوصاً، والرستن وحورتة وطيبة الإمام عموماً.. ومن أهمها لوحة سقراط وتلامذته الحكماء السبعة لبلاد اليونان التي ترقي إلي العصر الروماني، وقد تم العثور عليها في الدير الأوسط من كاتدرائية أفاميا وتعود إلي عام 262 263 ، ويبدو في وسطها سقراط كما يدل اسمه المكتوب بالإغريقية رافعاً يده اليمني بإشارة معلم، ويحيط به فلاسفة مسنون من غير مدرسته ليس هناك ذكر لأسمائهم في اللوحة، إلا أننا نعرف أسماءهم من لوحة مشابهة وجدت في منطقة السويدية ببعلبك، وهي محفوظة اليوم في متحف بيروت وقد عاش هؤلاء الحكماء في فترات متفاوتة، والصورة تجمع بينهم جمعاً رمزياً فقط، وهم إلي جانب سقراط من اليسار إلي اليمين: كليوبيل برياندروس بياس كاليس سولون كيلون الحكماء السبعة لبلاد اليونان القديمة .
إلي يسار هذه اللوحة الرائعة نجد تمثالاً لنسر جنائزي، حيث يرمز النسر هنا إلي الخلود، ونلاحظ تكرار صورة النسر كثيراً في المنحوتات الجنائزية القديمة، وإلي اليمين شاهدة قبرية مكتوبة ومؤرخة عليها عبارات بالإغريقية...
كارهات الرجال
من لوحات الفسيفساء الهامة في المتحف لوحة حوريات البحر في مسابقة الجمال ، وهي لوحة جدارية طويلة وجميلة عثر عليها بجانب الكنيسة الشرقية، وتعبر عن تصور شرقي لحكم حوريات البحر أو بنات نيروس ومن أبرزهن نيتوس أم الحوريات و أميمونا زوجة أبو زيدو شيخ البحر و نيكي كاسيوية الفائزة بسعفة النخيل وتاج الجمال.. وذلك علي خلاف التصور اليوناني والروماني القديم الذي يُنهي الجلسة بإصدار الحكم بالإدانة، في حين أن هذه اللوحة تنهي المسابقة والتحكيم بتتويج حفيدة بيلوس إلهاً لأفاميا علي عرش الجمال.
في قاعة أخري من المتحف نري لوحة الأمازونات وهي ثاني اللوحات المميزة والهامة بعد لوحة سقراط والحكماء السبعة ، وتمثل فارستين من الفارسات الأمازونات وهما في مشهد صيد تحيط بهما ثلاث شجرات وأمامهما حيوانان مفترسان، ويحيط باللوحة أطر أربعة من الزخارف الهندسية والتزيينية، وأما الامازونات موضوع اللوحة فهن كوكبة من النساء المحاربات من أواسط آسيا كنَّ يكوين في صغرهن الثدي الأيمن ليتوقف عن النمو فيسهل عليهن استخدام القوس في كبرهن، ومن هنا جاءت تسميتهن أمازون بلا ثدي ، وكن لا يقربن الرجال إلا مرة واحدة في العام، ويقتلن الذكور من أبنائهن ويحافظن علي جنسهن، كان الفيلسوف أسخيلوس يطلق عليهن النساء المحاربات كارهات الرجال ، ويُعتقد أنهن عشن حول القوقاز، ومدينتهن الرئيسية تيميسيرا .. وقد اهتم بهن الفنانون فجعلوا لهن تماثيل وصوراً أكثر مما اهتم بهن الشعراء.